الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
243
تفسير روح البيان
النفس ومحبة الدنيا التي هي رأس كل خطيئة ولكل واحدة من هذه المحبات الثلاث فاحشة لازمة غير منفكة عنها اما فاحشة محبة النفس الامارة بالسوء فموافقة الطبيعة ومخالفة الشريعة واما فاحشة محبة الهوى فحب الدنيا وشهواتها واما فاحشة محبة الدنيا فالاعراض عن اللّه والإقبال على ما سواه قوله الا اللمم اى الميل اليسير إلى النفس والهوى والدنيا بحسب الضرورة البشرية من استراحة البدن ونيل قليل من حظوظ الدنيا بحسب الحقوق لا بحسب الحظوظ فان مباشر الحقوق مغفور ومبادر الحظوظ مغرور كما قال إن ربك واسع المغفرة ومن سعة غفرانه ستر ظلمة الوجود المجازى بنور الوجود الحقيقي بالفناء عن ناسوتيته والبقاء بلا هوتيته انتهى قال بعض الكبار من استرقه الكون بحكم مشروع كالسعى في مصالح العباد والشكر لاحد من المخلوقين من جهة نعمة أسداها اليه فهو لم يبرح عن عبوديته للّه تعالى لأنه في أداء واجب أوجبه الحق عليه واما تعبد العبد فمخلوق عن امر اللّه لا يقدح في العبودية بخلاف من استرقه الكون لغرض نفسي ليس للحق فيه رائحة امر فان ذلك يقدح في عبوديته للّه تعالى ويجب عليه الرجوع إلى الحق تعالى وقال بعض العارفين من المحال ان يأتي مؤمن معصية توعد اللّه عليها بالعقوبة فيفرغ منها الا ويجد في نفسه الندم على وقوعها منه وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم الندم توبة وقد قام بهذا المؤمن الندم فهو تائب بلا شك فسقط حكم الوعيد لهذا الندم فإنه لا بد للمؤمن أن يكره المخالفة ولا يرضى بها فهو من كونه كار هالها ومؤمنا بأنها معصية ذو عمل صالح وهو من كونه فاعلا لها ذو عمل سيئ فهو من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وقد قال تعالى فيهم عيسى اللّه أن يتوب عليهم يعنى ليتوبوا واللّه غفور رحيم انتهى فعلى العاقل أن يندم على المعاصي الواقعة منه ولا يغتر بالرب الكريم وان كان اللّه واسع المغفرة فإنه تعالى أيضا شديد البطش والاخذ نسأ اللّه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة هُوَ تعالى أَعْلَمُ منكم بِكُمْ اى بأحوالكم يعلمها إِذْ أَنْشَأَكُمْ اى خلقكم في ضمن إنشاء أبيكم آدم عليه السلام مِنَ الْأَرْضِ إنشاء اجماليا وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ ووقت كونكم اجنة فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ على أطوار مختلفة مترتبة لا يخفى عليه حال من أحوالكم وعمل من أعمالكم التي من جملتها اللمم الذي لولا المغفرة الواسطة لاصابكم وباله وضرورة والأجنة جمع جنين مثل أسرة وسرير والجنين الولد ما دام في البطن وهو فعيل بمعنى مفعول اى مدفون مستتر والجنين الدفين في الشيء المستتر فيه من جنه إذا ستره وإذا خرج من بطن أمه لا يسمى الا ولدا أو سقطا وفي الأشباه هو جنين ما دام في بطن أمه فإذا انفصل ذكرا فصبى ويسمى رجلا كما في آية الميراث إلى البلوغ فغلام إلى تسعة عشر فشاب إلى أربعة وثلاثين فكهل إلى أحد وخمسين فشيخ إلى آخر عمره هذا في اللغة وفي الشرع يسمى غلاما إلى البلوغ وبعده شابا وفتى إلى ثلاثين فكهل إلى خمسين فشيخ وتمامه في ايمان البزازية فان قيل الجنين إذا كان اسما له ما دام في البطن فما فائدة قوله تعالى في بطون أمهاتكم قلنا فائدته المبالغة في بيان كمال علمه وقدرته فان بطون الأمهات في غاية الظلمة ومن علم حال الجنين فيها لا يخفى عليه